أهلا وسهلا بكم في مدونة الإسلام أرجوا أن ينال الموقع إعجابكم ويفيد الكثير من الناس

الجمعة، ١١ نيسان ٢٠٠٨

قصة ادم عليه السلام

قال تعالى:
{قل هو نبأ عظيم* أنتم عنه معرضون* ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذا يختصمون* إن يوحي إلي إلا إنما أنا نذير مبين* إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين* فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين* قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي، استكبرت أم كنت من العالين* قال أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين* قال فاخرج منها فإنك رجيم* وإن عليك لعنتي إلي يوم الدين* قال رب فأنظرني إلي يوم يبعثون* قال فإنك من المنظرين* إلي يوم الوقت المعلوم* قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين* قال فالحق والحق أقول* لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين* قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين* إن هو إلا ذكر للعالمين* ولتعلمن نبأه بعد حين} (ص:67ـ88)
ومن هذه الآية تتضح قصة آدم عليه السلام ولنذكر هاهنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات، وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله المستعان.
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم:
{إني جاعل في الأرض خليفة} (سورة البقرة: 30)
أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال:
{وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} (سورة الأنعام: 65)
وقال:
{ويجعلكم خلفاء الأرض} (سورة النمل: 62)
فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته، كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه، فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم، قالوا:
{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} (سورة البقرة:30)
قيل: علموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن، قاله قتادة، وقال عبد الله بن عمر: كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلي جزائر البحور.
وعن ابن عباس نحوه. وعن الحسن: ألهموا ذلك.
وقيل: لما أطلعوا عليه من اللوح المحفوظ، فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له السجل. رواه ابن أبي حاتم، عن أبي جعفر الباقر.
{ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} (سورة البقرة:30)
أي: نحن نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلاً ولا نهاراً.
{قال إني أعلم ما لا تعلمون} (سورة البقرة: 30)
أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون، أي: سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء والصالحون. ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال:
{وعلم آدم الأسماء كلها} (سورة البقرة: 31)
قال ابن عباس: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وقال مجاهد: علمه اسم الصحفة، والقدر، حتى الفسوة والفسية.
وقال مجاهد: علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء. وكذا قال سعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد.
وقال الربيع: علمه أسماء الملائكة.
وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته.
والصحيح: أنه علمه أسماء الذوات وأفعالها مكبرها ومصغرها، كما أشار إليه ابن عباس، رضي الله عنهما.
وذكر البخاري هاهنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يجمع الله المؤمنين يوم القيام كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلي ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، واسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء" وذكر تمام الحديث
{ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} (سورة البقرة: 31)
قال الحسن البصري: لما أراد الله خلق آدم، قالت الملائكة: لا يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه، فابتلوا بهذا، وذلك قوله: (إن كنتم صادقين). وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير.
{قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} (سورة البقرة: 32)
أي: سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك. كما قال:
{ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} (سورة البقرة: 255)
{قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} (سورة البقرة: 33)
أي: أعلم السر كما أعلم العلانية.
وقيل: إن المراد بقوله: (أعلم ما تبدون) ما قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها) وبقوله: (وما كنتم تكتمون) المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر على آدم عليه السلام. قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي، والضحاك، والثوري، واختاره ابن جرير.
وقال أبو العالية، والربيع، والحسن، وقتادة: (وما كنتم تكتمون) قولهم: لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه. وقوله:
{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر} (سورة البقرة: 34)
هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقة بيده، ونفخ فيه من روحه، كما قال:
{فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (سورة الحجر: 29)
فهذه أربع تشريفات: خلقه بيده الكريمة، ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء الأشياء.
ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي: أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، وهكذا يقول له أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال في الآية الأخرى:
{ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين* قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} (سورة الأعراف:11ـ12)
قال الحسن البصري: قاس إبليس، وهو أول من قاس.
وقال محمد بن سيرين: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقاييس. رواهما ابن جرير.
ومعنى هذا أنه نظر بطريق المقايسة بينه وبين آدم، فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له، مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود. والقياس إذا كان مقابلا للنص كان فاسد الاعتبار، ثم هو فاسد في نفسه؛ فإن الطين أنفع وخير من النار، لأن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والإحراق.
ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه، ولهذا أمر الملائكة بالسجود له، كما قال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (سورة الحجر:28ـ35) استحق هذا من الله تعالى لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراءه به وترفعه عليه مخالفة الأمر الإلهي، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين. وشرح في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا، وكان اعتذاره أشد من ذنبه. كما قال تعالى في سورة سبحان: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً } (سورة الإسراء:61ـ65) وقال في سورة الكهف: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } (سورة الكهف:50) أي: خرج عن طاعة الله عمداً وعناداً واستكباراً عن امتثال أمره، وما ذاك إلا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها، فإنه مخلوق من نار كما قال، وكما جاء في صحيح مسلم عن عائشة، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" قال الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط. وقال شهر بن حوشب: كان من الجن، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جنداً من الملائكة فقاتلوهم وأجلوهم إلي جزائر البحار، وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلي السماء فكان هناك، فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه. وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون: كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا. قال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل. وفي رواية عنه: الحارث، قال النقاش: وكنيته أبو كردوس. قال ابن عباس: وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن، وكانوا خزان الجنان، وكان من أشرفهم ومن أكثرهم علماً وعبادة، وكان من أولى الأجنحة الأربعة، فمسخه الله شيطاناً رجيماً. {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ نْهُمْ أَجْمَعِينَ } (سورة ص:71ـ85) وقال في الأعراف: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } (سورة الأعراف:16ـ17) أي: بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد، ولآتينهم من كل جهة منهم، فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه. كلما قال الإمام احمد: حدثنا بن القاسم، حدثنا أبو عقيل ـ هو عبد الله بن عقيل الثقفي ـ حدثنا موسى بن المسيب، عن سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي فاكه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه" وذكر الحديث كما قدمناه في صفة إبليس. وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم. أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات؟ وهو قول الجمهور. أو المراد بهم ملائكة الأرض كما رواه ابن جرير عن طريق الضحاك عن ابن عباس؟ وفيه انقطاع، وفي السياق نكارة، وإن كان بعض المتأخرين قد رجحه. ولكن الأظهر من السياقات الأول، ويدل عليه الحديث: "واسجد له ملائكته" وهذا عموم أيضاً، والله أعلم. وقوله تعالى لإبليس: {فَاهْبِطْ مِنْهَا } (سورة الأعراف:13) و {اخْرُجْ مِنْهَا} (سورة الأعراف:18) دليل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها، والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته، وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة، ثم سلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه، فأهبط إلي الأرض مذءوماً مدحوراً. وأمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ } (سورة البقرة:35) وقال في الأعراف: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } (سورة الأعراف:18ـ19) وقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى } (سورة طه:116ـ119) وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم إلي الجنة، وهذا قد صرح به إسحاق بن يسار، وهو ظاهر هذه الآيات. ولكن حكى السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس، وعن مرة، وعن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا: اخرج إبليس من الجنة واسكن آدم الجنة، فكا يمشي فيها وحتى ليس فيها زوج يسكن إليها، فنام نومه فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه؛ فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: لوم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما سامها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا. ولم كانت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. وذكر محمد بن إسحاق، عن ابن عباس؛ أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم ولأم مكانه لحكم.
ومصدق هذا في قوله تعالى:
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء...} (سورة النساء:1)
وفي قوله تعالى:
{هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به ...} (سورة الأعراف:189)
وفي الصحيحين من حديث زائدة، عن ميسرة الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً"
هذا لفظ البخاري. وقد اختلف المفسرون في قوله:
{ولا تقربا هذه الشجرة} (سورة البقرة:35)
فقيل: هي الكرم، وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي، وجعدة بن هبيرة، ومحمد بن قيس، والسدي، ورواه عن ابن مسعود وناس من الصحابة، قال: وتزعم يهود أنها الحنطة، وهذا مروى عن ابن عباس، والحسن البصري، ووهب ابن منبه، وعطية العوفي، وأبى مالك، ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى.
قال وهب: والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وقال الثوري عن حصين، عن أبي مالك: (ولا تقربا هذه الشجرة) وهي النخلة.
وقال ابن جريج عن مجاهد: وهي التينة، وبه قال قتادة وابن جريج. وقال أبو العالية: كانت شجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي في الجنة حدث.
وهذا الخلاف قريب، وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها، ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا، كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن.
وإنما الخلاف الذي ذكروه في أن هذه الجنة التي أدخلها آدم: هل هي في السماء أو في الأرض، هو الخلال الذي ينبغي فصله والخروج منه.
والجمهور على أنها هي التي في السماء وهي جنة المأوى؛ لظاهر الآيات والأحاديث كقوله تعالى:
{وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} (سورة البقرة:35)
والألف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي، وإنما تعود على معهود ذهني؛ وهو المستقر شرعاً من جنة المأوى، وكقول موسى عليه السلام: "علام أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ …" الحديث كما سيأتي الكلام عليه.
وروي مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشجعي ـ واسمه سعد بن طارق ـ عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبي هريرة. وأبي مالك عن ربعى، عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة. فيأتون آدم فيقولون: يا آبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟"
وذكر الحديث بطوله. وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنة المأوى، وليست تخلو عن نظر. وقال آخرون: بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد، لأنه كلف فيها ألا يأكل من تلك الشجرة، ولأنه نام فيها وأخرج منها، ودخل عليه إبليس فيها، وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى.
وهذا القول محكي عن أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عيينة، واختاره ابن قتيبة في "المعارف"، والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره وأفراد له مصنفاً على حده. وحكاه عن أبي حنيفة الإمام وأصحابه رحمهم الله. ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ابن خطيب الري في تفسيره عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصبهاني، ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية، وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.
وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل"، وأبو محمد بن عطية في تفسيره، وأبو عيسى الرماني في تفسيره، وحكى عن الجمهور الأول، وأبو القاسم الراغب، والقاضي الماوردي في تفسيره فقال: واختلف في الجنة التي أسكناها، يعني آدم وحواء؛ على قولين: أحدهما: أنها جنة الخلد. الثاني: أنها جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء، وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء.
ومن قال بهذا اختلفوا على قولين:
أحدهما: أنها في السماء لأنه أهبطهما منها، وهذا قول الحسن.
والثاني: أنها في الأرض؛ لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهذا قول ابن يحيى. وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم، والله أعلم بصواب ذلك.
هذا كلامه. فقد تضمن كلامه حكاية أقوال الثلاثة، وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة. لهذا حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال: هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي، ورابعها الوقف، وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى، عن أبي علي الجبائي.
وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله إلي جواب، فقالوا: لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الإلهية، وأمره بالخروج عنها والهبوط منها، وهذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته، وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع، ولهذا قال:
{اخرج منها مذءوماً مدحوراً} (سورة الأعراف:18)
وقال:
{اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها} (سورة الأعراف:13)
وقال:
{اخرج منها فإنك رجيم} (سورة ص:77)
والضمير عائد إلي الجنة أو السماء أو المنزلة. وأيا ما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدراً في المكان الذي طرد عنه وأبعد منه، لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز.
قالوا: ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له:
{هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} (سورة طه:120)
وبقوله:
{وما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين* وقاسهما إني لكما لمن الناصحين* فدلاهما بغرور} (سورة الأعراف: 20ـ22)
وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما.
وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها، أو أنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء. وفي الثلاثة نظر، والله أعلم.
ومما احتج به أصحاب هذه المقالة: ما رواه عبد الله ابن الإمام احمد في الزيادات عن هدبة بن خالد، عن حمادة بن سلمة، عن حميد، عن الحسن البصري، عن يحيى ابن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب، قال: إن آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة، فانطلق بنوه ليطلبوه له، فلقيتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون يا بني آدم؟ فقالوا: إن آبانا اشتهى قطفاً من عنب الجنة. فقالوا لهم: ارجعوا فقد كفيتموه. فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل وبنوه خلف الملائكة ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم.
وسيأتي الحديث بسنده، وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم عليه السلام.
قالوا: فلولا أنه كان الوصول إلي الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكناً؛ لما ذهبوا يطلبون ذلك، فدل على أنها في الأرض لا في السماء، والله أعلم. قالوا: والاحتجاج بأن الألف واللام في قوله:
{ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} (سورة الأعراف:19)
لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم، ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام، فإن آدم خلق في الأرض ولم ينقل أنه رفع إلي السماء وخلق ليكون في الأرض، وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال:
{إني جاعل في الأرض خليفة} (سورة البقرة:30)
قالوا: وهذا كقوله تعالى:
{إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة} (سورة القلم:17)
فالألف واللام ليس للعموم، ولم يتقدم معهود لفظي، وإنما هو المعهود الذهني الذي دل عليه السياق وهو البستان قالوا: وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء.
قال الله تعالى:
{قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى اسم ممن معك} (سورة هود:48)
وإنما كان في السفينة حين استقرت على الجودي ونضب الماء عن وجه الأرض أمر أن يهبط إليها هو ومن معه مباركاً عليه وعليهم.
قال تعالى:
{اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم} (سورة البقرة:61)
وقال تعالى:
{وإن منها لما يهبط من خشية الله} (سورة البقرة:74)
وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير.
قالوا: ولا مانع ـ بل هو الواقع ـ أن الجنة التي اسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض، ذات أشجار وثمار وطلال ونعيم ونضرة وسرور، كما قال تعالى:
{إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} (سورة طه:118)
أي: لا يذل باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعرى
{وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحي} (سورة طه:119)
أي: لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر الشمس، ولهذا قرن بين هذا وهذا، وبين هذا وهذا؛ لما بينهما من المقابلة.
فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نهى عنها، أهبط إلي أرض الشقاء والتعب والنصب، والسعي والكد والنكد، والابتلاء والاختبار والامتحان، واختلاف السكان ديناً وأخلاقاً وأعمالاً، وتصوراً وإرادات وأقوالاً وأفعالاً، كما قال:
{ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين} (سورة البقرة:36)
ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال تعالى:
{وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض، فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً} (سورة الإسراء:104)
ومعلوم أنهم كانوا فيها ولم يكونوا في السماء. قالوا: وليس هذا القول مفرعاً على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم، ولا تلازم بينهما، فكل من حكى عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف، ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم، كما دلت عليه الآيات والأحاديث الصحاح، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وقوله تعالى:
{فأزلهما الشيطان عنها} (سورة البقرة:36)
أي: عن الجنة (فأخرجهما مما كانا فيه) أي: من النعيم والنضرة والسرور إلي دار التعب والكد والنكد، وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما. كما قال تعالى:
{فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} (سورة الأعراف:20)
يقول: ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، أي: لو أكلتما منها لصرتما كذلك.
(وقاسمهما) أي: حلف لهما على ذلك (إني لكما لمن الناصحين)، كما قال في الآية الأخرى:
{فوسوس إليه الشيطان، قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} (سورة طه:120)
أي: هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من نعيم، واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي؟ وهذا من التغرير والتزوير والإخبار بخلاف الواقع.
والمقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا أكلت منها خلدت، وقد تكون هي الشجرة التي
قال الإمام احمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا يقطعها: شجرة الخلد"
وكذا رواه أيضا عن غندر وحجاج، عن شعبة. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة أيضا به. قال غندر: قلت لشعبة: هي شجرة الخلد؟ قال: ليس فيها هي. وممكن تفرد به الإمام احمد.
وقوله:
{فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} (سورة الأعراف:22)
كما قال في طه:
{فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} (سورة طه:121)
وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم، وهي التي حدته على أكلها، والله أعلم.
وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا بشر بن محمد، حدثنا عبد الله، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه: "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها"
تغرد به من هذا الوجه.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة به.
ورواه احمد ومسلم عن هارون بن معروف، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث عن أبي يونس، عن أبي هريرة به.
وفي كتاب التوراة التي بأيدي أهل الكتاب: أن الذي دل حواء على الأكل من الشجرة هي الحية، وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها، فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم عليه السلام، وليس فيها ذكر لإبليس؛ فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، فوصلا من ورق التين وعملا مآزر، وفيهما أنهما كان عريانين، وكذا قال وهب بن منبه: كان لباسهما نوراً على فرجه وفرجها.
وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم، وتحريف وخطأ في التعريب؛ فإن نقل الكلام من لغة إلي لغة لا يتيسر لكل أحد؛ ولاسيما ممن لا يكاد يعرف كلام العرب جيداً، ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضاً، فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظاً ومعنى. وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله:
{ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} (سورة الأعراف:27)
فهذا لا يرد لغيره من الكلام والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن الحسين بن إشكاب، حدثنا عن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً، كثيرا شعر الرأس كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدأ منه عورته، فلما نظر إلي عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن عز وجل: يا آدم مني تفر؟ فما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء"
وقال الثوري عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
{وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} (سورة الأعراف:22)
ورق التين. وهذا إسناد صحيح إليه، وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب، وظاهرة الآية يقتضي أعم من ذلك، وبتقدير تسليمه فلا يضر، والله أعلم.
وروي الحافظ ابن عساكر عن طريق محمد بن إسحاق، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن البصري، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق، ستون ذراعاً، كثير الشعر، مواري العورة، فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته فخرج من الجنة، فلقيته شجرة فأخذت بناصيته، فناداه ربه: أفراراً مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك والله يا رب مما جئت به"
ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عتي بن ضمرة عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وهذا أصح، فإن الحسن لم يدرك أبيا.
ثم أورده أيضا من طريق خيثمة بن سليمان الأطرابلسي، عن محمد بن عبد الوهاب أبي قرصافة العسقلاني، عن آدم بن أبي إياس، عن سنان، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً بنحوه.
{وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين* قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (سورة الأعراف:22ـ23)
وهذا اعتراف ورجوع إلي الإنابة، وتذلل وخضوع واستكانة، وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة، وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلي خير في دنياه وأخراه.
{قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم وفي الأرض مستقر ومتاع إلي حين} (سورة الأعراف:24)
وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس، قيل والحية معهم، أمروا أن يهبطوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين. وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الحيات وقال: "ما سالمناهن منذ حاربناهن"
وقوله في سورة طه:
{قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو} (سورة الآية:123)
هو أمر لآدم وإبليس، واستتبع آدم: حواء، وإبليس: الحية. وقيل: هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى:
{وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} (سورة الأنبياء:78)
والصحيح أن هذا لما كان الحاكم لا يحكم إلا بين اثنين مدع ومدعي عليه، قال: (وكنا لحكمهم شاهدين). وأما تكريره الإهباط في سورة البقرة في قوله:
{وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين* فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم* قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون* والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (سورة البقرة:36ـ39)
فقال بعض المفسرين: المراد بالإهباط الأول: الهبوط من الجنة إلي السماء الدنيا، وبالثاني: من السماء الدنيا إلي الأرض.
وهذا ضعيف لقوله في الأول: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين). فدل على أنهم اهبطوا إلي الأرض بالإهباط الأول والله أعلم.
والصحيح أنه كرره لفظاً وإن كان واحداً، وناط مع كل مرة حكماً، فناط بالأول عداوتهم فيما بينهم، وبالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي، وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم.
وروي الحافظ ابن عساكر عن مجاهد قال: أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره، فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه، وتعلق به غصن فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس رأسه يقول: العفو العفو، فقال الله أفراراً مني؟ قال: بل حياء منك يا سيدي.
وقال الأوزاعي عن حسان ـ هو ابن عطية ـ: مكث آدم في الجنة مائة عام، وفي رواية ستين عام، وبكى على الجنة سبعين عاماً، وعلى خطيئته سبعين عاماً، وعلى ولده حين قتل أربعين عاماً.
رواه ابن عساكر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو روعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن سعيد، عن ابن عباس قال: اهبط آدم عليه السلام إلي أرض يقال لها "دحنا" بين مكة والطائف.
وعن الحسن قال: اهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بـ"دستيمسان" من البصرة على أميال، واهبطت الحية بأصبهان.
رواه ابن أبي حاتم أيضاً.
وقال السدي: نزل آدم بالهند ونزل معه الحجر الأسود وبقبضة من ورق الجنة، فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك.
وعن ابن عمر قال: اهبط آدم بالصفا، وحواء بالمروة. رواه ابن أبي حاتم أيضاً.
وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري، قال: إن الله حين اهبط آدم من الجنة إلي الأرض علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.
وقال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو بكر بن بالويه، عن محمد بن احمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلي غروب الشمس.
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي صحيح مسلم من حديث الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها"
وفي الصحيح من وجة آخر: "وفيه تقوم الساعة".
وقال احمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن أبي عمار، عن عبد الله بن فروخ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة"
على شرط مسلم.
فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي، حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، حدثنا سعيد بن ميسرة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هبط آدم وحواء عريانين جميعاً، عليهما ورق الجنة، فأصابه الحر حتى ققعد يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني الحر، قال: فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل وعلمها، وأمر آدم بالحياكة، وعلمه أن ينسج، قال: وكان آدم لم يجامع امرأته في الجنة؛ حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة، قال: وكان كل واحد منهما ينام على حده؛ ينام أحدهما في البطحاء والآخر من الناحية أخرى، حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله، قال: وعلمه كيف يأتيها، فكلما أتاها جاءه جبريل فقال: كيف وجدت امرأتك؟ قال: صالحة"
فإنه حديث غريب، ورفعه منكر جداً، وقد يكون من كلام بعض السلف، سعيد ابن ميسرة هذا هو أبو عمران البكري البصري، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وقال ابن عدي: مظلم الأمر. وقوله:
{فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} (سورة البقرة:37)
قيل هي قوله:
{... ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (سورة الأعراف:23)
روي هذا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن الحسن بن إشكاب، حدثنا على بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال آدم عليه السلام: أرأيت يا رب إن تبت وراجعت أعائدي إلي الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب)
وهذا غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع.
وقال ابن أبي نجيح؛ عن مجاهد قال: الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم.
وروى الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه). قال: قال آدم: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى، ونفخت في من روحك؟ قيل له: بلى، وعطست فقلت يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ قيل له: بلى، وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى؛ قال: أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلي الجنة؟ قال: نعم.
ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وروى الحاكم أيضاً والبيهقي وابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي.
فقال الله: فكيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد؟
فقال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلي اسمك إلا أحب الخلق إليك.
فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك"
قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف والله أعلم.
وهذه الآية كقوله تعالى:
{وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} (سورة طه:121ـ122)

أبو بكر بن عبد الرحمن

أحد فقهاء المدينة، الذين كانت تدور عليهم الفتوى، وأحد الفقهاء الذين اتخذهم عمر بن عبد العزيز للشورى، فكان لا يقضي أمرا إلا بعد أن يعرضه عليهم، كان ثقة، فقيها، كثير الحديث، عالما عاقلا، سخيا، يقصده الناس للاستعانة به في قضاء حوائجهم سواء من ماله الخاص، أو في الشفاعة لهم عند أصحاب السلطان، إذ كان له مكانة خاصة، وصداقة لعبد الملك كان يستعملها في عون أصحاب الحاجات عند أهل الحل والعقد من ذوي الجاه والسلطان.
أبوه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، المعروف بالشريد، وأمه فاختة بنت عتبة بن سهيل بن عمرو، أتى بهما من الشام، فسماهما عمر بن الخطاب الشريدين، وقال: زوجوا الشريد الشريدة، لعل الله ينشر منهما خيرا فتزوجا، وأقطعهما عمر بالمدينة خطة أوسع لهما فيها، فقيل له: أكثرت لهما يا أمير المؤمنين، فقال: عسى الله أن ينشر منهما ولدا كثيرا رجالا ونساء، وكأنما كان عمر ينظر بظهر الغيب، فقد كان لأبي بكر أخوة أشقاء هم: عمر وعثمان، وعكرمة وخالد ومحمد، وأختهم حنتمة، والمغيرة وأبو سعيد من أمهات أخريات.
وقد سرت الأمور بأبي بكر حتى صار سيدا من سادات قريش علما وكرما وسخاء وأمانة وسداد رأي، ومكانة مرموقة، وكان ذا منزلة عالية عند عبد الملك بن مروان، حتى إنه لما حضرته الوفاة أوصى ابنه الوليد قائلا: يا بني إن لي بالمدينة صديقين، فاحفظني فيهما، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وكان يقول: إني لأهم بالشيء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا، فأذكر أبا بكر بن عبد الرحمن فأستحي منه، فأدع ذلك الأمر. وكانت مكانة أبي بكر هذه تجعل الناس يقدمون إليه يسألونه أن يعاونهم في سداد ما حل بهم من مغارم، لما عرف عنه من المسارعة في مثل هذه الأمور.
فقد ذكر أن جماعة من بني أسد بن خزيمة، وفدوا عليه يسألونه أن يتحمل عنهم دماء "ديات" كانت بينهم ـ وكانت عادة العرب أن يتجهوا بمثل هذه القضايا إلي من تدفعهم هممهم العالية، وشرفهم أن يتحملوا المغارم عن الناس حتى يحل السلام بينهم ـ فتحمل أربع ديات، ورأى أن يستعين بأخيه المغيرة بن عبد الرحمن، وكان جوادا أيضا في تحمل هذه الديات، وكان لأبي بكر ولد شاب عاقل كان يصحب أباه إلي المسجد بعدما كف بصره، فقال له أبوه: يا بني اذهب إلي عمك المغيرة ابن عبد الرحمن، فأعلمه ما حملنا من هذه الديات، وأسأله المعونة. فلما ذهب إلي عمه، وأخبره بما قاله أبوه، لم تطب نفسه بالمعاونة، وقال لابن أخيه: أكثر علينا أبوك. وينصرف الفتى من لقاء عمه غير الناجح، وتمضي أيام لا يذكر لأبيه ما رد به عمه عليه، حرصا على حسن الصلات بينهما، وذات يوم وهما في الطريق إلي المسجد، سأله أبوه: أذهبت إلي عمك؟
فأجاب: نعم. وسكت.
وأدرك أبو بكر من سكوت ابنه أنه لم يجد عند عمه ما يحب، وكأنما أعجب أبا بكر مسلك ابنه الحكيم، فأراد أن يغريه بالمداومة على هذا التصرف النبيل. من الحرص على سلامة القلوب بين الأشقاء. فقال له: يا بني، لا تخبرني ما قال لك، فإن لا يفعل أبو هاشم "يعني أخاه المغيرة" فربما افعل، وأغد غدا إلي السوق، فخذ لي عينه "يعني مما يباع" فغدا عبد الله إلي السوق، ففعل ما أمره به أبوه. ثم باعها. وأقام أياما ما يبيع في السوق طعاما ولا زيتا غير عبد الله بن أبي بكر من تلك العينة، فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلي الأسديين ففعل.
أما المغيرة بن عبد الرحمن أخو أبو بكر، فكان أيضا جوادا وكان يطعم الطعام حيثما ينزل. وينحر الجزور، ويطعم من جاء، وكان قد شارك في الغزو مع مسلمة بن عبد الملك في بلاد الروم، وأصيب عينه في إحدى هذه الغزوات، فصار أعور، ومن طريف ما وقع له بعد ذلك أنه بذل الطعام للناس في يوم من الأيام، التي تعود أن يفعل فيها ذلك، وكان بين الطاعمين أعرابي جعل يديم النظر إلي المغيرة، ولا تمتد يده إلي الطعام، ولفت تصرفه نظر المغيرة فسأله: ألا تأكل من هذا الطعام؟ مالي أراك تديم النظر إلي.
فقال البدوي في صراحة الصحراء التي لا تعرف المواربة: إنه ليعجبني طعامك، وتريبني عينك.
قال: وما يريبك من عيني؟
قال: أراك أعور، وأراك تطعم الطعام، وهذا صفة الدجال.
فقال له المغيرة: إن الدجال لا يصاب بعينه في سبيل الله.
وقد أجرى سخاء المغيرة ألسن الشعراء بالثناء عليه، فقد قدم الكوفة يوما، فنحر الجزور، وأطعم الطعام، والثريد على الأنطاع، فقال الأقيشر الأسدي:

أتاك البحر طم على قريش ومن أوتار عقبة قد شفاني فلا يغررك حسن الرأي منهم مغيري وقد راع ابن بشر ورهط الحاطبي ورهط صخر ولا سرج ببزيون ونحر

ومن سخاء المغيرة أنه وقف ضيعة على طعام يصنع بمنى أيام الحج. وكان أخوه عكرمة أيضا من ذوي الشأن في أيامه، وكان ثقة، قليل الحديث، وفيه يقول حكيم بن عكرمة الديلي لما تزوج بنت عمر بن عبد الله بن معمر:

تبشر يا ابن مخزوم بخود أتتك بمال شيراز وفسا فتلك مآثر الأموال لا ما أبوها من بني تيم الرباب وسايور الذي دون التقاب تجمع يوم سعدي والرباب

هذا حديث عابر عن أخوي أبي بكر قد كان لهما شأن في قومهما أما أبو بكر فقد ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يوم الجمل لما يبلغ مبلغ الرجال بعد، فقد استصغر ورد هو وعروة بن الزبير، وهذا يعني أن فقده بصره كان بعد أن تقدمت به السن، وسمى راهب قريش لكثرة صلاته ولفضله، وقد روي عن أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وعن أبي مسعود الأنصاري.
وكان شأنه شأن فتيان قريش. له من النعمة واليسار ما يجعل حياته سهلة رخية، فقد كان يلبس كساء الخز، ويميل إلي الأناقة في مظهره وملبسه. فكان يأخذ من شاربه أخذا حسنا، ولا يحفيه، وفي مظهره ذلك مشابهة كثيرة مما عرف عن سعيد بن المسيب وسواه من فقهاء المدينة.
كان أبو بكر حريصا على أن يكون حسن السمعة، طيب الأحدوثة، معروفا بالأمانة والثقة، فقد استودع عنده عروة بن الزبير مالا لبني مصعب، فأصيب ذلك المال، وذهب كله أو بعضه في ظروف لا مسئولية لأبي بكر عنها. فأرسل إليه عروة يقول: لا ضمان عليك، إنما أنت مؤتمن، ولكن أبا بكر لا ترضى له همته ولا مكانته ذلك، وعلى الرغم من أنه يعرف أنه لا ضمان عليه ـ إذ كان كلاهما فقيها ـ فقد أبى إلا أن يرد المال الضائع، وقال: قد علمت أن لا ضمان على، ولكن لم تكن لتحدث قريش أن أمانتي خربت، وباع جانبا من أملاكه، فقضى بثمنه ما فقد.
وكان أحد الفقهاء الذين كان يستشيرهم عمر بن عبد العزيز إذا ما عرضت له قضية، وكان ممن صحب عمر بن عبد العزيز لتلقي الوليد حين حضوره إلي المدينة. ولما فسد الأمر بين سعيد بن المسيب وإسماعيل بن هشام المخزومي والي المدينة أيام عبد الملك حاول أن يكسر حدة الخلاف، ويوقع الصلح بين سعيد والوالي، وواجهه سعيد بعنف وهو في محبسه، ولكنه لم يتأثر منه، لأنه كان يريد إزالة الجفوة بينهما، ومن متابعة الحوار الذي دار بينهما يتبين أن أبا بكر كان هادئ الطبع لين العريكة، يحب أن يعالج الأمور في أناة ورفق، بدون تحد ولا عناد، على النقيض من سعيد بن المسيب الذي كان حاد الطبع، والذي جرت عليه صلابته كثيرا من المتاعب والآلام.
وقد أثر عن أبي بكر أنه كان يقول: إنما هذا العلم لواحد من ثلاثة، لذي نسب يزين به نسبه أو لذي دين يزين به دينه، أو مختلط بسلطان ينتجعه به، ولا أعلم أحدا أجمع لهذه الخلال من عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، كلاهما ذو دين وحسب، ومن السلطان بمنزل. وكان منهج أبي بكر هو منهج فقهاء المدينة الذين يتزعمهم سعيد بن المسيب، وكانت لهم وجهة نظر تكاد تكون واحدة في تناول المشكلات المختلفة، وقد روي عن أبي بكر أنه قال: ما عليه أهل المدينة هو السنة. وقد أخذ عنه كثير من مشاهير العلماء في عصره، ومن أبرزهم ابن شهاب الزهري، الذي عده من بين الأربعة الذين لاقى بهم بحورا. وروي عنه أولاده عبد الملك، وعمر، وعبد الله، وسلمة، وأشهر أولاده في الرواية عنه هو عبد الملك.

وفاته
وقد جرى على أبي بكر ما جرى ويجري على كل حي، فانتقل إلي رحمة ربه سنة أربع وتسعين هجرية على الأرجح، وكانت تسمى سنة الفقهاء لكثرة من توفى فيها. وقيل في وفاته: إنه صلى العصر، فدخل فغتسله فسقط، فجعل يقول: والله ما أحدثت في صدر نهاري هذا شيئا، فما غرب الشمس حتى انتقل إلي رحمة الله

الإمام أبو حنيفة النعمان

لم يختلف الناس على رجل كما اختلف آراؤهم في أبي حنيفة النعمان .. تغالي البعض في تقديره حتى زعم أنه أوتى الحكمة كلها، وأنه يتلقى علمه عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يشبه الرؤيا أو الرؤية! واشتط الآخرون في كراهيته، حتى لقد اتهموه بالمروق عن الدين، وبالإلحاد والزندقة، وباستيراد المبادئ الهدامة من الديانات الوثنية ومن عباد النار .. وأعمى العداء آخرين، فأذاعوا عنه أنه مجوسي مدسوس على الإسلام ليحدث خرقا في الإسلام!! كان هذا التطرف في الأحكام المتناقضة هو طابع العصر الذي عاش فيه أبو حنيفة، وهو في الوقت نفسه نتيجة سلوك الشيخ وسيرته واقتحاماته الفكرية الجسور ..
ذلك أنه كان يدعو إلي الأخذ بالرأي لا يبالي في رأيه بأحد .. فقد كان عارفا بأحوال الحياة، مستوعبا كل ثقافة من سبقوه ومن عاصروه، خبيرا بالرجال، شديدا على أهل الباطل، مرير السخرية بالمزيفين، لاذعا مع المنافقين من متعاطي الفقه والعلم والثقافة في عصره .. وهو عصر غريب حقا .. عصر ملئ بالتطرفات .. هو ذلك العصر الباهر من الفتوحات والثراء الفكري .. عصر الأئمة العظام: محمد الباقر وزيد بن علي وجعفر الصادق ومالك بن أنس والليث بن سعد .. وهو في الوقت نفسه عصر الصعاليك الكبار، والمنافقين والمزيفين..!! عصر عامر بالبطولات والأحلام والخطر والغنى الروحي والاقتحام والمتاع..!! عصر يدوي على الرغم من كل شيء بأصداء المأساة، تفعمه الأحزان، ملتهب بالأشواق إلي العدل وبالحنين إلي الرحمة والصدق والإحسان وبالشجن! .. في ذلك العصر ولد أبو حنيفة النعمان بالكوفة سنة 80 هـ من أسرة فارسية، وسمي النعمان تيمنا بأحد ملوك الفرس ..
من أجل ذلك كبر على المتعصبين العرب أن يبرز فيهم فقيه غير عربي الأصل .. حاول بعض محبيه أن يفتعل له نسبا عربيا .. ولكنه كان لا يحفل بهذا كله فقد كان يعرف أن الإسلام قد سوى بين الجميع، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم احتضن سلمان الفارسي وبلالا الحبشي، وكانا من خيرة الصحابة حتى لقد كان الرسول يقول "سلمان منا أهل البيت" وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عن بلال: "سيدنا بلال". ولقد شهد أبو حنيفة في طفولته فظائع الحجاج والي العراق وبطشه بكل من يعارض الأمويين حتى الفقهاء الأجلاء، فدخل في نفسه منذ صباه عزوف عن الأمويين واستنكار لاستبدادهم، ورفض للطغيان .. ثم أنه ورث عن أبيه وأمه حبا لآل البيت فما كان في ذلك العصر رجال ينبذون التفرقة بين المسلمين العرب وغير العرب إلا آل البيت.
وقد تمكن حب آل البيت من قلبه عندما تعرف على أئمتهم وتلقى عنهم، وعندما عاين أشكال الاضطهاد التي يكابدونها في كل نهار وليل! .. حتى لقد شاهد الإمام الصادق واقفا يستمع إليه وهو يفتي في المدينة فوقف قائلا: "يا ابن رسول الله، لا يراني الله جالسا وأنت واقف". وكان أبوه تاجرا كبيرا فعمل معه وهو صبي، وأخذ يختلف إلي السوق ويحاور التجار الكبار ليتعلم أصول التجارة وأسرارها، حتى لفت نظر أحد الفقهاء فنصحه أن يختلف إلي العلماء فقال أبو حنيفة: "إني قليل الاختلاف إليهم" فقال له الفقيه الكبير: "عليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء فإني أرى فيك يقظة وفطنة". ومنذ ذلك اليوم وهب الفتى نفسه للعلم، واتصل بالعلماء ولم تنقطع تلك الصلة حتى آخر يوم في حياته .. ولكم عانى وعانى منه الآخرون في هذا الميدان الجديد الذي استنفر كل مواهبه وذكائه وبراعته!!
وانطلق الفتى الأسمر الطويل النحيل بحلة فاخرة، يسبقه عطره، ويدفعه الظمأ إلي المعرفة، يرتاد حلقات العلماء في مسجد الكوفة .. وكأن بعضها يتدارس أصول العقائد (علم الكلام)، وبعضها للأحاديث النبوية، وبعضها للفقه وأكثرها للقرآن الكريم .. ثم مضى ينشد العلم في حلقات البصرة. وبهرته حلقة علماء الكلام، لما كان يثور فيها من جدل مستعر يرضي فتوته. ولزم أهل الكلام زمنا ثم عدل عنهم إلي الحلقات الأخرى .. فقد اكتشف عندما نضج أن السلف كانوا أعلم بأصول العقائد ولم يجادلوا فيها، فلا خير في هذا الجدل. ومن الخير أن يهتم بالتفقه في القرآن الكريم والحديث. وانتهت به رحلاته بين البصرة والكوفة إلي العودة إلي موطنه بالكوفة، وإلي الاستقرار في حلقات الفقه، لمواجهة الأقضية الحديثة التي استحدثت في عصره، ولدراسة طرائق استنباط الأحكام.
وكان أبوه قد مات، وترك له بالكوفة متجرا كبيرا للحرير يدر عليه ربحا ضخما، فرأى أبو حنيفة أن يشرك معه تاجرا آخر، ليكون لديه من الوقت ما يكفي لطلب العلم وللتفقه في الدين ولإعمال الفكر في استنباط الأحكام .. ودرس على عدة شيوخ في مسجد الكوفة ثم استقر عند شيخ واحد فلزمه .. حتى إذا ما ألم بالشيخ ما جعله يغيب عن الكوفة، نصب أبا حنيفة شيخا على الحلقة حتى يعود .. وكانت نفس أبي حنيفة تنازعه أن يستقل هو بحلقة، ولكنه عندما جلس مكان أستاذه سئل في مسائل لم تعرض له من قبل، فأجاب عليها وكانت ستين مسألة. وعندما عاد شيخه عرض عليه الإجابات، فوافقه على أربعين، وخالفه في عشرين .. فأقسم أبو حنيفة ألا يفارق شيخه حتى يموت.
ومات الشيخ وأبو حنيفة في الأربعين، فأصبح أبو حنيفة شيخا للحلقة وكان قد دارس علماء آخرين في رحلات إلي البصرة وإلي مكة والمدينة خلال الحج والزيارة، وأفاد من علمهم، وبادلهم الرأي، ونشأت بينه وبين بعضهم مودات، كما انفجرت خصومات. ووزع وقته بين التجارة والعلم .. وأفادته التجارة في الفقه، ووضع أصول التعامل التجاري على أساس وطيد من الدين .. كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو مثله الأعلى في التجارة: حسن التعامل، والتقوى، والربح المعقول الذي يدفع شبهة الربا .. جاءته امرأة تبيع له ثوبا من الحرير وطلبت ثمنا له مائة .. وعندما فحص الثوب قال لها "هو خير من ذلك" فزادت مائة .. ثم زادت حتى طلبت أربعمائة فقال لها: "هو خير من ذلك" فقالت: أتهزأ بي؟ فقال لها: "هاتي رجلا يقومه" فجاءت برجل فقومه بخمسمائة ..
وأرادت امرأة أخرى أن تشتري منه ثوبا فقال: "خذيه بأربعة دراهم" فقالت له: "لا تسخر مني وأنا عجوز" فقال لها "إني اشتريت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقى هذا الثوب على أربعة دراهم". وذهب إلي حلقة العلم يوما، وترك شريكه في المتجر، وأعلمه أن ثوبا معينا من الحرير به عيب خفي، وأن عليه أن يوضح العيب! .. وظل أبو حنيفة يبحث عن المشتري ليدله على العيب، ويريد إليه بعض الثمن، ولكنه لم يجده، فتصدق بثمن الثوب كله، وانفصل عن شريكه .. بهذا الحرص كان يتعامل في تجارته مع الناس، وفي فهمه للنصوص، وفي استنباطه للقواعد والأحكام .. وعلى الرغم من أنه كان يكسب أرباحا طائلة، فقد كان لا يكنز المال .. فهو ينفق أمواله على الفقراء من أصدقائه وتلاميذه.
ويحتفظ بما يكفيه لنفقة عام ويوزع الباقي على الفقراء والمعسرين .. فإذا عرف أن أحدا في ضيق، أسرع إليه، وألقى إليه بصرة على بابه، ونبهه إلي أنه وضع على بابه شيئا، ويسرع قبل أن يفتح صاحب الحاجة الصرة .. وكان على ورعه وتقواه واسع الأفق مع المخطئين .. كان له جار يسكر في الليل ويرفع عقيرته بالغناء:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
وكان صوت الجار يفسد الليل على أبي حنيفة .. حتى إذا كانت ليلة سكت فيها صوت الجار السكير، فلما أصبح سأل عنه فعلم أنه في السجن متهما بالسكر .. وركب أبو حنيفة إلي الوالي فأطلق سراح السكير. وعندما عادا معا سأله أبو حنيفة "يا فتى هل أضعناك؟" فقال له "بل حفظتني رعاك الله". ومازال به أبو حنيفة حتى أقلع عن الخمر. وأصبح من رواد حلقات العلم ثم تفقه وصار من فقهاء الكوفة.

الإمام أحمد بن حنبل

صامت يطيل السكوت والتأمل، حزين يكاد لا يبتسم، وفي وجهه مع ذلك البشاشة وعلى قسامته الرضا، لا يتكلم إلا إذا سئل فلا يبتدر أحدا بحديث .. حتى إذا جلس في الحلقة بعد كل صلاة عصر في المسجد الجامع ببغداد، وسأله الناس في أمور الدين والدنيا انفجر منه علم غزير نافع يبهر السائلين! .. قال عنه بعض الفقهاء: "أنه جمع العلم كله". وقال عنه بعض العلماء: "إنه ليس من الفقه في شيء". وقال عنه الإمام الشافعي حين ترك بغداد إلى مصر: "تركت بغداد وما فيها أفقه ولا أعلم من احمد بن حنبل". وفي الحق أن احمد بن حنبل ظلم حيا وميتا.
أما حياته فقد كانت نضالا متصلا ضد الفقر، وضد عاديات عصره .. فقد حملته أمه وهي حامل به من "مزو ـ حيث كان يعمل أبوه في جند الخليفة ـ إلى بغداد، ولم تكد تضع وليدها احمد حتى مات والده ترك له عقارا عاشت من غلته هي والصغير .. حتى إذا شب الصغير وزادت مطالبه، عرفت أمه ضيق العيش، ولكن الأرملة الشابة رفضت أن تتزوج على الرغم من جمالها وشبابها وطمع الخطاب فيها، ووقفت حياتها على تربية وحيدها احمد فأحسنت تربيته ودفعت به إلى مقرئ ليعلمه القرآن فختمه وهو صبي وظل حياته كلها يعاود قراءته والتفكير فيه ..
وعندما وثبت به الحياة إلى الفتوة وجد من حوله دنيا عجيبة حقا، تطغى فيها البدعة على السنة، ويشقى فيها عالم الأمر بجاهله، وتكتظ خزائن بعض الناس بالذهب والفضة بحيث لا يعرفون كيف ينفقونها، وعلى مقربة منهم يسقط بعض النساء والرجال في حمأة العار بحثا عن الحياة الأفضل أو عن الطعام وسط أو حال النفاق والخطيئة..! وأصوات خادعة أو مخدوعة تحبب الناس في الانصراف عن طيبات الحياة مما أحل لهم، باسم الورع أو الزهد، وتحضهم على ترك الحقوق لها ضميها أو مغتصبيها!..
ووسط هذه النداءات المنكرة التي لم يعرفها السلف قط، تزف عروس إلى ابن الخليفة الذي يجب أن يعيش كما يعيش أواسط الناس من رعيته، فإذا بكل رجل من المدعوين إلى حفل الزفاف من كبار القوم يسلم رقعة هي صك هبة: بضيعة وجارية ودابة .. فضلا عن الدار المنثور!!.. أما سائر الناس فتندثر عليهم الدنانير والدراهم وحقاق المسك والعنبر!! هكذا طالعت الدنيا شابا حفظ القرآن صغيرا وتدبر في أحكامه وتعلم علم الحديث، فما كان منه إلا أن أعلن إنكاره لهذا كله، وسمى كل ما يحدث بدعة ونذر نفسه لمقاومتها ولإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فاتهموه بالتزمت!
وهكذا عاش حياته..!
أما بعد موته فقد ابتلى ببعض اتباع نسبوا إليه ما لم يقل ولم يصنع وفرعوا على أصوله ما هو برئ منه، وأسرفوا على الناس حتى لقد كانوا يطوفون بمدائن المسلمين يغيرون بأيديهم ما يحسبونه بدعة، أو منكرا، ويغرضون ما يتخيلونه سنة، وغالوا في هذا حتى نال الناس منهم أذى وعنت، فكرهم الناس ونسبوهم إلى الحماقة وضيق الأفق وسخروا بهم، وأزروا على مذهبهم .. وأصبحت كلمة الحنبلى أو الحنابلة تعني التبلد والتحجر والتعصب المذموم!! ولقد كتب ابن الأثير يصف ما كان يحدث من نفر من اتباع الإمام احمد سنة 323 من الهجرة: "وفيها عظم أمر الحنابلة، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء. واعترضوا في البيع والشراء. ومشى الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا ذلك سألوا الرجل عن التي معه من هي فأخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة فأزعجوا بغداد.".
وما كان الإمام احمد ليزعج أحدا، وما كان فظا ولا غليظ القلب بل كان يجادل بالتي هي احسن وكان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة إعمالا لكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام .. وما كان الإمام احمد متعصبا لرأي ارتآه بل كان يحاور، ويرجع عن رأيه إن تبين له ما هو أصح حتى لقد نهى عن كتابة فقهه لأنه كثير العدول عن آرائه..! وما كان ضيق الأفق، أو جامد الفكر، أو منقبا عن عيوب الناس .. وما كان الإمام احمد من هذا كله في شيء. فقد كان من أوسع الناس أفقا، ومن أعمق العلماء إدراكا لروح الشريعة، ومن أكثر الفقهاء تحريرا لها من الجمود وتحررا بها في المعاملات.
ولكنه عاش في عصر تغشاه البدع ويسوده الترخص الذي قد يزلزل عمود الدين فكان عليه أن يأخذ الكتاب بقوة..! .. ولقد قال عنه أحد معاصريه: "ما رأيت في عصر احمد بن حنبل ممن رأيت، اجمع منه ديانة وصيانة وملكا لنفسه، وفقها وأدب نفس، وكرم خلق وثبات قلب وكرم مجالسة وأبعد عن التماوت. ولد احمد بن حنبل في بغداد عام 164 هـ من أبوين عربيين .. مات أبوه وهو طفل وترك له معاشا ودارا يسكنها هو وأمه وعقارا يغل غلة لهما قليلة..
وكان عمه يعمل في خدمة الخليفة الرشيد، ويجمع أخبار بغداد ويلمسها إلى والي البريد (الأمير المسئول عن البريد) ليوصلها إلى الخليفة إذا كان الخليفة خارج بغداد .. وانقطعت أخبار بغداد عن الخليفة فأرسل إلى الوالي يسأله، فسأل الوالي عم احمد، وكان احمد غلاما صغيرا، وكان عمه يرسله بالأخبار إلى الوالي .. فسأله عمه: "ألم أبعث الأخبار إلى الوالي؟ فقال: نعم، فقال عمه: "فلأي شيء لم توصلها؟" قال احمد: "رميت بها في الماء! .. أأنا أوصل الأخبار؟!".
وحين سمع الوالي بما كان من أمر احمد والأخبار قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون .. هذا غلام يتورع، فكيف نحن؟". على هذا الورع نشأ احمد بن حنبل، حتى أن نساء الجند الذين سافروا مع الرشيد في الغزو كن لا يجدن فتى غيره يثقن فيه، فيقرأ لهن رسائل الأزواج، ويملينه الردود .. ولكنه كان لا يكتب الكلام الفاحش الذي قد تمليه بعض الزوجات المشوقات إلى الأزواج..!
ولقد أدرك منذ نشأ أن أمه تعاني في سبيل توفير حياة كريمة له، وأنها ترفض الخطاب من أجله، فحرص على أن يعوضها، وبذل كل جهده في الدرس حتى حصل علوما ومعارف كثيرة في سن صغيرة معتمدا على نفسه. قال أحد جيرانه: "أنا أنفق على ولدي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا احمد بن حنبل غلام يتيم .. انظروا كيف أدبه وعلمه وحسن طريقته!". على أن الفتى شعر أنه أصبح هما ثقيلا على أمه .. وإن كان قد احسن مكافأتها بانقطاعه على الدرس، وذيوع أمره بين الأساتذة والتلاميذ ..
وكان احمد قد رأى أمه تبيع درتين لتعينه على طلب العلم، فألي بينه وبين نفسه ألا يجشمها مالا بعد. وأراد أن يوفر لأمه ما ترك أبوه من غلة العقار الذي مات عنه وهو بناء كبير يحوي عدة حوانيت تغل كلها سبعة عشر درهما في كل شهر..! .. وكان في أحد هذه الحوانيت نساج فتعلم منه وعاونه، فقد حفظ احمد فيما يحفظ من أحاديث أن أطيب ما يأكله الإنسان هو ما يكسبه من عمله .. وكان احمد حفيا بالسنة حريصا عليها، من أجل ذلك حرص على ألا يأكل إلا من عمل يده..!
على أن عمل يده لم يكن يكفيه للطعام ولمواجهة أعباء الحياة، منذ صمم على أن ينزل لأمه عن غلة العقار الذي مات عنه أبوه، فلجأ إلى الاقتراض ولقد أدرك بعض دائنيه ضيق حاله فأبى عليه رد الدين قائلا: "ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك" فقال له احمد: "وأنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي أن أردها إليك". على أن الحياة كانت تثقل عليه بمطالبها في بعض الأحايين، فلا يجد طعاما .. فيذهب إلى المزارع والبساتين، ليلتقط ما نزل على الأرض خارجها من الثمرات .. وقد هدته تجربته الخاصة إلى أن هذا الزرع يجب أن يباح لمن يحتاج إليه .. وإلى هذا المبدأ انتهى في فقه .. على ألا يدخل ذو الحاجة ملك الغير ليأكل، إلا بإذن المالك ..

الإمام ابن حزم

لم يعرف تاريخ الفقه من قبله رجلا كتب في الحب وأحوال العشاق بمثل هذه الرقة والعذوبة والصراحة، وجادل الفقهاء في الوقت نفسه بكل تلك الحدة والعنف والصرامة ..!
اجتمعت فيه صفات متناقضة: لين الطبع وسعة الأفق وعذوبة النفس، مع التشدد والتضييق وسرعة الانفعال، والتعصب لكل ما يعتقد أنه حق، ورفض ما عداه .. فهو يناقش كل وجوه النظر في المسائل، حتى إذا اطمأن إلى رأي، أدان كل مخالفيه بلا رحمة، وسخر بهم، وكال لهم الاتهامات، لا يراعي لهم فضلا ولا وقارا ..!
من أجل ذلك أحبه بعض الناس حتى تحدوا فيه حكام عصرهم، وكرهه آخرون حتى أهدروا فيه تعاليم الدين ومبادئ الأخلاق إذ أغروا به السلطان.!
يشهد مجالس الأنس، ويسمع مع ظرفاء عصره، ويستمع للغناء حتى يؤذن للفجر فينصرف للصلاة، ثم يعتكف النهار والليل بعد ذلك بعيداً عن السمار والظرفاء، يقرأ ويتأمل ويكتب، ثم يخرج ليحضر مجالس العلم يتلقى، ويحاور الشيوخ، ويعلم الطلاب.
ولد وعاش ومات في الأندلس ـ أجمل بلاد المسلمين وخيرها ـ في شر فترة من عصور التاريخ الإسلامي .. إذ كانت الدولة الإسلامية العظمى في الأندلس، قد تمزقت إلى دويلات صغيرة، فذهب زمن الخلفاء أولى العزم العماليق العظام، ليجيء بدلا منه عصر الحكام الأقزام، ليتصارعوا فيما بينهم، وليكيد كل واحد منهم لأخيه. ويعربد على دويلته فينقصها من أطرافها، ويحالف الفرنجة الطامعين في أن يستعيدوا الأندلس بأسره .. ومن هؤلاء الحكام الأقزام من رضى الدنية في دينه ودنياه، فأغرى الفرنج بالأموال الطائلة ليعينوه على أطماعه في الدويلات الإسلامية المجاورة الأخرى..!
وهكذا انطفأت منارات المعرفة في قرطبة، وهي التي تضيء لكل ما حولها وما يليها من بلاد أوربا، فأصبحت قرطبة عاصمة الدولة الكبرى في الأيام الزاهد الذاهبة، دويلة من الدويلات الإسلامية..! وانصرف أهل قرطبة من جد الأمور إلى هزلها ..
ونهبت خزائن الكتب في قرطبة، وهي خزائن لم يعرف لها التاريخ مثيلا من قبل .. وانصرف أهل قرطبة عن اقتناء الكتب كما تعودوا، إلى حيازة الجواري الحسان والغلمان!. وبعد أن كان الأثرياء يتنافسون على شراء الكتب الجديدة، حتى لقد كان المؤلفون في المشرق العربي ينشرون كتبهم في الأندلس، قبل أن تظهر في بلادهم، كما صنع صاحب الأغاني، بعد كل هذا أصبح الناس يتنافسون على شراء الجواري الشقراوات والغلمان من فرنا وإيطاليا والجزر المجاورة في المحيط والبحر الأبيض المتوسط.
وبدلا من التفنن في إقامة خزائن للكتب، تفننوا في بناء الأجنحة للجواري. وذوي فن النسخ وافتقر الناسخون، لتزدهر صناعة النخاسة ويثري النخاسون!. وأصبحت أسواق الأدب في متنزهات قرطبة مغاني للعشاق وخمائل للمتعة!
وإذ بالعقل العربي في الأندلس يهجر تقاليده الإسلامية في البحث والمغامرة واكتشاف المجهول وإغناء الحياة بالإضافات، ليسقط في الجمود والتقليد. وإذ بالناس يتخذون الشيوخ أولياء من دون الله، ويتشفعون بهم من دون العمل..!
وخلال هذا التحول كانت الفضائل تتهاوى، وقيم الإسلام تترنح، والباطل يغشى وجه الحياة، والإنسان الصادق يغترب .. والحق كسير!
وانطفأت الحمية .. وخبت الغيرة، وتزايل قدر الكتاب والشعراء والمفكرين ومهرة الصناع وأهل الفنون، المنتجة ليعلو مقام الجواري والغلمان والمخنثين والشذاذ..!
وخلال هذا كله يتناقل الناس قصة أمير في أشبيلية اشتهت إحدى نسائه أن تغوص بأقدامها في الطين، فأمر بأن تصنع لها بركة من المسك المعجون بالماء المعطر..! أنفق على هذه البركة ما يكفي لتجهيز جيش، حتى إذا أحاطت جيوش الفرنجة بأشبيلية والأمير ونساؤه يعبثون عراة في طين المسك لم يجد الأمير في خزائنه ما يتقوى به على الدفاع عن مدينته.!
وهكذا سقطوا في الطين .. المعطر!
وفي بعض نواحي الأندلس تقل المياه، وينقطع المطر فتجف الأرض، ويعطش الأحياء، وبدلا من أن يؤدي المسلمون صلاة الاستسقاء، عسى أن يستجيب لهم الله فيعم الماء، ليسقوا الأحياء والأرض، كانوا يتجهون إلى فلنسوة جلبها أسلافهم من الإمام مالك، ليستسقوا بها..!
ثم يتناقل الناس قصة رجل فاضل من أهل العم عشق جندياً حسن الطلعة من جيش الفرنجة الذي كان يحاصر إحدى المدن، فاستخلص الرجل الذي كان فاضلا هذا الجندي لنفسه، وأمره على قصره لينهي ويأمر فيه، وأباحه حريم القصر، لينال الرجل العالم من الجندي ما يريد..!
وحين كانت خزائن الدويلات خالية مما تتطلبه مؤنة الجيش، بنى أحد الأمراء قصرا ضخما وجلب له غرائب الأزهار والأشجار والطيور النادرة، وشق له نهرا صغيرا من قمة الجبل حيث تتراكم الثلوج في الشتاء لينحدر الماء إذا ذابت الثلوج، ويصب في جداول تتخلل حدائق القصر، وتنتهي إلى بحيرة صنع قاعها من الرخام الأزرق الفاخر الثمين، ورصعت شطآنها بالأحجار الكريمة! لتسبح فيها الجواري الشقراوات المجلوبات من جنوب فرنسا، على شعاع الشمس إذا كان النهار، وعلى ضوء القمر أو المصابيح الذهبية في ليالي الصيف..!
وسط هذا الجو الزاخر بصور رائعة من جمال الطبيعة، ومظاهر مؤسية من فساد المجتمع نشأ ابن حزم.
عاش في هذا المضطرب نحو اثنين وسبعين عاما .. اشتغل خلالها بالسياسة والأدب، والفقه، والشعر، وكابد الحياة والناس، وعرف المتاع والعذاب، وحاول أن يتعاطى الفلسفة والمنطق وعلوم الاجتماع والفلك والرياضة وعلم النفس وسماه بهذه الاسم، واحتك بمجتمعه، فصوره ورسم أعماقه ومفاسده ومظالمه، وهب في انفعال يرفض مجتمعه ذاك، ويحاول أن يهدم واقعه لينيبه من جديد!
وفي سبيل ذلك لم يكتف بالكتابة بل خاض غمرات الصراع السياسي واشترك في مغامرات عسكرية .. وعرف الحب والنعيم، وعرف الجوى، ولم يتحرج ـ وهو الفقيه الذي يتربص به أعداؤه ـ من التصريح بتجاربه ومشاهداته، في بيان مشرق عذب، لم يتكلف فيه تغطية العبارات والألفاظ ..
وترك مؤلفات كتبها بلغت عدتها أربعمائة بين كتب طوال ورسائل قصيرة كالمقالات .. ذلك أن ابن حزم كان حين يعكف على القراءة والكتابة لا يخرج عما أخذ فيه، ولا يسمح لأي ظرف مهما يكن خطره بأن يعطله!
وكثيرا ما كان يرفض الخروج من غرفة عمله، ويأمر برد زواره وقاصديه! ولقد أغضب بسلوكه ذاك. كثيرا من أصدقائه والمقربين إليه، ولكنه كان يعتذر إليهم إذا خرج من عمله يستروح، فلولا أنه يأخذ نفسه بالشدة في العمل، لما أتيح له أن ينجز شيئا .. والعمل عنده عبادة، ولئن اعتكف العابد ليتعبد، فما ينبغي أن يصرفه عن شأنه أي طارق حتى يفرغ مما هو فيه!
ولد علي بن احمد بن سعيد بن حزم، في آخر شهر رمضان قبيل شروق يوم عيد الفطر عام 384 هـ، في قرطبة حاضرة ذلك الزمان. كان أبوه وزيراً للخليفة الأموي هشام المؤيد وهو من أواخر الخلفاء الأمويين في الأندلس ..